ابن قتيبة الدينوري

119

عيون الأخبار

بلغني عن حفص بن عمران الرازي عن الحسن بن عمارة عن المنهال ابن عمرو قال : قال معاوية لشداد بن عمرو بن أوس : قم فاذكر عليّا فتنقّصه فقام شدّاد فقال : « الحمد للَّه الذي افترض طاعته على عباده وجعل رضاه عند أهل التقوى آثر من رضا غيره . على ذلك مضى أوّلهم وعليه يمضي آخرهم . أيها الناس ، إن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر ، وإن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البرّ والفاجر ، وإن السامع المطيع لا حجّة عليه وإن السامع العاصي لا حجة له . وإن اللَّه ، جل وعزّ ، إذا أراد بالناس صلاحا عمّل عليهم صلحاءهم ( 1 ) وقضّى بينهم فقهاءهم وجعل المال في سمحائهم ، وإذا أراد بالعباد شرا عمّل عليهم سفهاءهم وقضّى بينهم جهلاءهم وجعل المال عند بخلائهم . وإن من صلاح الولاة أن يصلح قرناؤها ( 2 ) . نصحك ، يا معاوية ، من أسخطك بالحق وغشّك من أرضاك بالباطل » فقال له معاوية : إجلس . وأمز له بمال ، وقال : ألست من السّمحاء ؟ فقال : إن كان مالك دون مال المسلمين تعمّدت جمعه مخافة تبعته فأصبته حلالا وأنفقته إفضالا ، فنعم . وإن كان مما شاركك فيه المسلمون فاحتجنته ( 3 ) دونهم ، أصبته اقترافا وأنفقته إسرافا ، فإن اللَّه ، عز وجل ، يقول : * ( إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّه كَفُوراً ) * ( 4 ) . مرّ عمرو بن عبيد بجماعة عكوف ( 5 ) ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : سارق

--> ( 1 ) الصّلحاء : جمع صليح ، وهو الصالح . ( 2 ) القرناء : جمع قرين ، وهو المصاحب . ( 3 ) احتجن المال : ضمّه إلى نفسه واحتواه . ( 4 ) سورة الإسرء 17 ، آية 27 . والمعنى : إن المبذرين كانوا وما زالوا إخوان كل من تجاوز الحد المشروع والمعقول في النفقة أو في غيرها ، وبمعنى آخر ، هم من حزب الشيطان . ( 5 ) عكوف : ج عاكف ؛ يقال : عكف القوم حوله : استداروا ، وعكفوا في المسجد : اعتكفوا .